ابن كثير
172
البداية والنهاية
فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر ، سنة إحدى وستين وأربعمائة ( 1 ) ، في دولة الفاطميين كما سيأتي ذلك في موضعه . وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باق إلى يومنا هذا والله أعلم . فمن ذلك العمود الذي في رأسه مثل الكرة في سوق الشعير عند قنطرة أم حكيم وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين ، ذكر أهل دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان ، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق باطنه فبال ، وذلك مجرب من عهد اليونان . قال ابن تيمية عن هذا العمود : إن تحته مدفون جبار عنيد ، كافر يعذب ، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث وبال من الخوف ، قال : ولهذا يذهبون بالدواب إلى قبور النصارى واليهود والكفار ، فإذا سمعت أصوات المعذبين انطلق بولها . والعمود المشار إليه ليس له سر ، ومن اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ خطأ فاحشا . وقيل إن تحته كنزا وصاحبه عنده مدفون ، وكان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) [ المؤمنون : 37 ] والله سبحانه وتعالى أعلم . وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع الأموي بعد موت أخيه مدة ولايته ، وجددت له فيه المقصورة ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يجرده مما فيه من الذهب ، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء ، ويرد ذلك كله إلى بيت المال ، ويجعل مكان ذلك كله طينا ، فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه ، وقال خالد بن عبد الله القسري : أنا أكمله لكم ، فقال له : يا أمير المؤمنين بلغنا عنك كذا وكذا ، قال : نعم ! فقال خالد : ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : ولم يا بن الكافرة ؟ - وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد - فقال : يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلا مؤمنا ، فقال : صدقت ، واستحيا عمر ثم قال له : فلم قلت ذلك ؟ قال : يا أمير المؤمنين لان غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم ، وليس هو لبيت المال ، فأطرق عمر . قالوا : واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلا من عند ملكهم ، فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر ، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر ، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها ، صعق كبيرهم وخر مغشيا عليه ، فحملوه إلى منزلهم ، فبقي أياما مدنفا ، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال : ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء ، وكنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا ، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال : أو إن الغيظ أهلك الكفار ، دعوه . وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم
--> ( 1 ) قال صاحب تاريخ القلانسي أن سبب الحريق خلاف وقع بين العسكر وأهل دمشق ، بين المغاربة والمشارقة ، وطرحت النار في جانب دمشق فاحترقت واتصلت النار بجامعها فاحترق وقد أيده ابن عساكر وغيره في ذلك .